هذا الإنجاز لكتائب القسام ليس الأول على الصعيد الاستخباري، فقد سبقه إنجازات كثيرة ومهمّة، لكنّه النجاح الأهم، والأكثر دلالة على تقدّم كبير حصل في قدرات حركة حماس الاستخبارية، ما يجعل مسرح صراع الأدمغة معها محاطاً بكثير من المخاطر، إذا ما أرادت جهة معادية الإقدام على هذه النوع من اللعب.
قدرة الأجهزة الأمنية لحركة حماس على حلّ لغز هذه العملية في وقت قصير لم يتجاوز عشرة أيام، يجعل الاستخبارات الإسرائيلية وغيرها من الأجهزة المعادية أو الصديقة تطرح كثيراً من الأسئلة حول الأدوات التي تمتلكها حركة حماس، لحل ألغاز مثل هذه العملية، خصوصاً أن الصور التي نشرتها كتائب القسام تدل على أن هناك أدوات أخرى غير كاميرات المراقبة تستخدمها حركة حماس في عملها الاستخباري.
تمكنت الأجهزة الأمنية لحركة حماس من الحصول على تسجيل فيديو لعملية زكيم الشهيرة التي نفذتها الحركة انطلاقاً من البحر في بدايات تصديها للعدوان الإسرائيلي عام 2014م، وقد نشرت تلك الفيديوهات بعد انتهاء العدوان. ولم يكن تفسير حصولها على الصور في ذلك الوقت غريباً، فقد دارت التكهنات حول اختراق جيش حماس الالكتروني لأجهزة قيادة الجيش الإسرائيلي، وإذا صح هذا التفسير، فانه ينطلق من طريقة يمكن فهمّها وتقبلها في الصراعات المعاصرة.
وقد نشرت كتائب القسام صوراً أخرى صوّرتها بنفسها لعمليات نفذتها في عمق الأراضي المحتلة عام 1948م، مثل عملية ناحل عوز خلال العدوان الإسرائيلي عام 2014، وعملية تفجير حافلة الجيش شرق جباليا في اليوم التالي لاكتشاف القوة الخاصة في خانيونس. وغيرها من صور العمليات.
لكن الصور في هذه المرة تحمل دلالات أمنية أعمق، وقدرات أكبر لدى كتائب القسام، فقد حصلت على ثماني صور في أوضاع مختلفة للمنفذين، لم تحصل عليها من كاميرات المراقبة، وأدارت هذه العملية بحكمة عالية، ليست أقل من الحكمة التي أدارت بها جولة التصعيد الأخيرة بالاشتراك مع فصائل المقاومة في الغرفة المشتركة. يمكن الوقوف على بعض تلك الدلالات والنتائج:
1. تعلن حماس من خلال هذه العملية أنها مستعدة لخوض حرب الأدمغة مع الاحتلال الإسرائيلي حتى النهاية.
2. في هذه العملية رسالة لجيش الاحتلال وأجهزته الأمنية، بضرورة عدم الكذب على الجمهور الإسرائيلي في جولات قادمة، لأن القسام ستحرج الجيش وقيادته من خلال وثائق وصور تنشرها وتبرهن على كذب القيادة الإسرائيلية.
3. تحمل هذه الصور رسالة لأجهزة الأمن الإسرائيلي، بأنه ليس هناك ما يثبت أن حماس لا تمتلك معلومات أخرى كثيرة ومهمة عن الجيش الإسرائيلي وأجهزته الأمنية ورجالاته. وبالتالي يمكنها أن تستخدم هذه المعلومات في الوقت المناسب، وبالكيفية المناسبة.
4. من المؤكد أن أحد دوافع حماس من نشر صور أفراد القوة الخاصة هو ملاحقة المنفذين أمنياً وقانونياً، لكنها قد تكون هدفت إلى ما هو أهم، وهو حرق هؤلاء الأفراد وحرمان الجيش الإسرائيلي من استخدامهم في عمليات مشابهة في الأراضي الفلسطينية أو أية مناطق أخرى في مرّات قادمة.
5. يبدو أن حماس أصبحت تمتلك كثيراً من أسرار هذه العملية، وربما غيرها أيضاً، وهي تستخدم أسلوب التنقيط في الكشف عن ما لديها من معلومات، بهدف إرباك جيش الاحتلال وأجهزته الأمنية، وفرض بيئة شديدة الغموض (عدم يقين شديد) لإدارة مسرح صراع الأدمغة مع الأمن الإسرائيلي.
6. تطرح هذه الصور أسئلة كثيرة حول قدرات حماس الاستخبارية في صراعها مع الاحتلال الإسرائيلي، فهل قوة حماس تكمن في جيشها الالكتروني، أم أنها أصبحت تمتلك عملاء جندتهم في أوساط الجيش الإسرائيلي قريبين من الأماكن والمهام الحساسة، مثل: الأرشيف، والتخطيط، وإدارة العمليات، ...، أم أنها أصبحت ذات قدرة عالية على التنصت على اتصالات ومراسلات الجيش أو بعض قادته، أم أنها أصبحت تمتلك عملاء مزدوجين على قدر كبير من الخبرة والمهارة ... أم أنها تمتلك ذلك كله؟!!
ستبقى هذه المحطة من محطات حماس الاستخبارية مثيرة، تطرح كثيراً من الأسئلة مثل التي طرحناها، أو غيرها مما ستكشف عنه الأيام القادمة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق